من يكون زوران بان؟ بهذا السؤال اردت الانطلاق في هذا المقال. لا اعتقد ان احد لا يزال يتذكر من يكون زوران بان. حتى اكبر مشجعي اليوفي لا يتذكر من وصفته صحيفة لاغازيتا ديلو سبورت ببونييك الجديد و في نهاية المطاف اختفى كلياً من عالم الكرة. اتذكر جيداً اليوم الذي تم فيه تقديم بان الشاب القادم من كرواتيا في عام 1992.zoran ban 1992

اليوفي كان يسعى لبناء فريق يتناسب مع فلسفة جوفاني تراباتوني في ثاني موسم له بعد عودته من المغامرة مع الانتر لقيادة فريق جوفاني انييلي نحو اللقب.  كلمات رنانة لتقديم الموهبة الكرواتية و التي في غضون اشهر قليلة اصبحت سخرية جمهور اليوفي لفقرها الفني. بالتأكيد الان هدف المقال اصبح وضحاً لدى القارئ الكريم. استعراض اغرب و افشل الانتدابات؟ لا، او ليس هذا بالضبط. إنما رحلة عبر ذكريات كاتب المقال، الذي مرت عليه أكثر من صفقة نستها اغلبية الجماهير. نترك زوران بان جانباً لكي ننتقل إلى إنتداب اخر وصفته توتوسبورت بالهداف القاتل وسمك القرش و الذي سيظل في ذهن الكل كأكبر إنتداب فاشل في تاريخ اليوفي. انه ايان راش و الذي عندما غادر إيطاليا رافقت مجموعة من التراس اليوفي السيارة التي اصطحبته للمطار للتأكد من انه رحل فعلاً بعد ان ادهش كل الدفاعات الايطالية بتحركاته الفوضوية و المضحكة بالميدان.

rush-02

سوق الانتدابات عالم غريب. مهرجان من الحماس و التقييم السابق لأوانه و احلام الجماهير و اشاعات الصحف و النفخ الاعلامي من قبل صحفيين لهم علاقات بمدراء الاعمال لترويج لاعب معين أو تحطيمه و اكيد شلال من الاموال و خيبة أمل و نجاح و فشل. في الثمانينيات المتابعة لم تكن يومية مثل هو الحال الان. لم تكن هنالك شبكة المعلومات بمحيطها من الاقاويل و الاشاعات و المقابلات و التصريحات و الحصريات و لذا المشجع كان ينتظر الصحف و المذياع لكي يتعرف على الاسماء المرشحة للقدوم و كان يثق كل الثقة في تقييم و وصف الصحفي أو الاداري لأنه لم يكن اداة مثل انترنت للتعرف حتى على ملامح اللاعب، كما ان القنوات الايطالية كانت تتجاهل الدوريات الاجنبية لأن المشاهد الايطالي كان بدوره لا يحب متابعتها. و نستمر في رحلتنا من خلال العودة لعام 1982 عندما قام نادي بيزا بإنتداب جورجي كاربايو، و صرح رئيس النادي انكونيتاني و كله فخر و كبرياء، “لقد اشترينا سكيافينو الجديد و سبقنا الانتر و روما”. caraballo-02

للاسف لم يكن سكيافينو الجديد إنما مقلب قديم. السيد كاربايو بعد فقط ستة جولات مع بيزا  عاد للأوروغواي (الكل لا يزال يتذكر ركلة الجزاء التي حاول تنفيذها ضد بولونيا في الدقيقة الاخيرة و الكرة التي طارت بالمدرجات)، و حسب الاخبار في نهاية المطاف بعد سلسلة من التجارب المحلية الفاشلة اصبح سائق تاكسي. هوغو هيرنان مارادونا، من لا يتذكره. بالفعل انه شقيق مارادونا الشهير، و لكنه للأسف يشبه دييغو في تسريحة الشعر فقط لاغير. في صيف 1985 اجبر دييغو مارادونا نادي نابولي على مساعدة نادي اسكولي مالياً لشراء شقيقه هوغو و ضمان له عقد خيالي حينها. الصحف الارجنتينية وصفته بالساحر بعد ان لعب مع المنتخب الارجنتيني تحت 16 سنة.

maradona-junior

قناة راي في برنامج خاص عن سوق الانتدابات تحدثت عن ضربة العمر بالنسبة لنابولي، اكتشاف مارادونا اخر. بالفعل كان دييغو اخر و لكن فقط من ناحية قلة الانضباط. فبعد 3 مباريات فقط، قرر كاستانيير مدرب أسكولي إبعاده نهائياً عن التشكيلة الاساسية للفريق و بعد 13 مباراة تم فسخ عقده. هوغو استلم رسالة فسخ العقد بعد ان امتنع عن التدرب بحجة وقوعه في حب فتاة و معاناته نفسياً لهذا السبب.

renato-03“انا اعاني في روما، انا غير قادر على شراء الخضروات و الفواكه لأن المتاجر ترفض بيعي هذه الاشياء”، هذه كانت اخر تصريحات المهاجم البرازيلي ريناتو بورتالوبي، بدون اي شك افشل إنتداب في تاريخ نادي روما. اتذكر تصريحاته للغازيتا ديلو سبورت عندما وعد الجمهور باللقب و كأس أبطال اوروبا و وصف نفسه بأنه مزيج ما بين فالكاو و بلاتيني. في الواقع ادائه كان محبط لدرجة أن جمهور الخصم كان يهتف بأسمه عندما كان يواجه روما. ريناتو لعب 23 مباراة و لم يسجل اي هدف و الكل لايزال يتذكر مرواغاته البطيئة التي كانت هدية ثمينة لأي مدافع.

zahoui-02

و من ينسى قصة فرانسوا زاهوي؟ لاعب اسكولي. اول لاعب افريقي يلعب في الدرجة الاولى بإيطاليا في عام 1981.تم إنتدابه رسمياً مقابل 25 مليون ليرة إيطالية (حوالي 24 الف يورو بالقيمة الحالية) و لكن في الواقع ناديه الاصلي باعه مقابل ثياب و احذية و معدات رياضية. مرتبه كان يعادل 12 مليون ليرة (11 الف يورو سنوي تقريباً). من اراد اللاعب كان  رئيس اسكولي روتسي الذي اراد تحدي الاندية الكبيرة و إستثماراتها الضخمة. بالواقع ان اللاعب كان يجهل حتى قواعد اللعبة و عانى من اكتئاب نفسي لأنه افتقد افريقيا و عائلته.  في عام 1993 كان دور ليتشي، و الاكتشاف كان لويس توفولي، البرازيلي و الذي تم بيعه بعد 5 مباريات فقط بعد ان تميز لشيئين، حياته الليلية الصاخبة و اداءه التعيس و الذي وصل قمته في الديربي ضد باري اين اضاع ركلة جزاء حاسمة. بالتأكيد الاداريين بإمكانهم ارتكاب اخطاء و لكن اكبر المدربين في بعض المناسبات نظرهم يخيب و حتى تقييمهم.

toffoli-03

اتذكر تصريح من فابيو كابيلو في عام 1997، “داريو سموي؟ لاعب مثير للإهتمام و يذكرني بكلاوديو كولوفاتي، برأيي بإمكانه ان يصبح من الاقوى في الدفاع”.smoje-02 لا  اعتقد ان احد بين جماهير الميلان لا يزال يتذكر اللاعب الكرواتي الشاب الذي في 6 مباريات فقط جعل الميلان يندم على إنتدابه، حيث أنه كان يجهل ابسط اسس الدفاع، و بفضل الصداقة الحميمة مع نادي مونزا تم التخلص منه بسرعة. ربما جمهور الميلان لا يتذكر سموي و لكن حتماً يتذكر المهاجم لوثير بليسيت، الذي عندما تم إنتدابه قدمته لاغازيتا و كأنه افضل مهاجم في العالم و لقبته بالنمر. السيد بليسيت لا يزال يتذكره الكل للاهداف التي كان يلتهمها بالجملة. و اتذكر حديث منذ فترة مع محلل الجزيرة الرياضية فرانشيسكو كوكو و الذي عاش طفولة شبيهة بطفولتي و لذا الذكريات الكروية شبيهة لأبعد حد. و حتى كوكو لا يزال يتذكر قوام بليسيت و حركته الشبيهة بحركة الدب لا بحركة النمر.

blissett-03عندما تشجع فريق في الصغر و خصيصاً في فترة المراهقة و التي ارى انه اجمل الفترات في حياة المشجع لأن بعد ذلك تفقد اللعبة و التشجيع الكثير من السحر و الجاذبية. اتذكر عندما كنت اتابع الانتر، كنت اضع مئة تشكيلة و تشكيلة، و كنت اتابع كل البرامج التحليلية بعد القيام بالواجبات المدرسية.  كنت استمع للمحللين في قناة راي و ميدياسيت و لاسيما اقرأ المقالات التكتيكية في الاستراحة (بعد حصة الرياضيات المملة). الخط المائل في الدفاع و مصيدة التسلل و الليبرو امام الدفاع و الخماسي في الدفاع و اللعب بأظهرة هجومية. كلها كانت معادلات سحرية، جذابة، الغاز و شفرات يجب فكها. و لكن اكبر لغز بالنسبة لجمهور الانتر يظل داركو بانتشيف، مهاجم النجم الاحمر و الملقب بالكوبرا. ساكي قال عنه:”مهاجم قوي جداً، الانتر قام بإنتداب ممتاز، بإمكانه ان يصبح الاقوى بالعالم”. اتذكر الندوة الصحفية للرئيس إيرنيستو بيلغريني:”عرضوا علينا سافيتشيفيش و لكن تركنا المقلب للميلان و اخذنا النجم الحقيقي”. بانتشيف بعد مباريات قليلة من الكوبرا اصبح ابوبريص (او السحلية) بالنسبة لجمهور الانتر و عانى الانتر الويل قبل التخلص منه و الان سيد بانتشيف يعمل في مجال بيع السيارات بعد ان غرقت مسيرته الكروية نهائياً في سويسرا.

pancev

كما ان جمهور الانتر بالتأكيد لن ينسى تشوتشي الذي تم إنتدابه من تشيزينا بعد ان سجل 13 هدفاً و قدمه مدرب الانتر أوريكو (الاب الروحي لستراماتشوني من ناحية عدم الكفاءة و الفوضى التكتيكية) كالمهاجم العصري و المثالي للعب بطريقة 4 – 4 – 2 و التي كانت موضة الساعة حينها. اتذكر جيداً عنوان كورييري ديلو سبورت:”الانتر يخطف الموهبة تشوتشي من لاتسيو”. لحسن حظ لاتسيو الانتر خطف تشوتشي الذي لم يترك أي أثر مع الانتر أو في الدوري الايطالي و ظل موسمه مع تشيزينا موسمه الإيجابي الوحيد كلاعب محترف. علماً ان السيد تشوتشي الان يعمل في اكاديمية الانتر في طوكيو.

cioci

الكل في إيطاليا يعرف خفة دم أهل روما و حبهم للسخرية، من هذه الناحية حتى لهجتهم تساعدهم كثيراً، والتي إن ما اردنا المقارنة بإمكاننا مقارنتها باللهجة المصرية. وفي مناسبة صفقة أندرادي، لاعب الوسط البرازيلي الذي سرعان من تحول من العبقري إلى (er moviola) أي الاعادة البطيئة بالنسبة لجمهور روما، و بالطبع هذا اللقب يشرح سرعة اللاعب (او بالاحرى إنعدام السرعة لديه) و الذي رافقه طوال موسم 1988 – 1989.

andrade-02

“فان باستين – خوليت – رايكارد؟ انه الماضي الجنوى يكتشف فان ديسيل – بيلينكامب  – فان كالين”، هكذا عنونت الصحف في اقليم ليغوريا بعد تقديم هذه الصفقة بالجملة، بالرغم أن فان ديسيل كان بلجيكي الجنسية تم تقديم هذا الثلاثي العجيب في ربيع 1998 على انه ثلاثي هولندي جديد قادر على جعل إيطاليا ملك هولندا بعد عصر الهولندي الميلاني. في الواقع إيطاليا لم تصبح ملك هولندا، بل هذا الثلاثي لم يبقى مدة كافية حتى للحصول على الاقامة في إيطاليا.

beelenkamp-02   van_kallen  van dessel

حتماً لن نستطيع ذكر كل مقالب سوق الانتدابات (هنا نتحدث عن الالاف من اللاعبين و اغلبية هذه الاسماء يعرفها الجمهور الكريم) و لكن اردت ختم هذا المقال، أو هذه الرحلة في ذكرياتي الشخصية كمتابع لسوق الانتدابات، مع غوستافو نيفا المهاجم الذي اكتشفه بونيبيرتي و من ثم اعاره لكريمونيزي اين لعب 3 سنوات و سجل 3 اهداف فقط لاغير، و لسوء حظ كريمونيزي كان هنالك شرط جزائي حال دون إمكانية التخلص منه قبل إنتهاء مدة العقد. السيد نيفا إتى لإيطاليا مراهقاً في عام 1989 وعاد لمسقط رأسه الباراوغواي في عام 1992 بعد تجارب فاشلة أخرى في جنوب امريكا لكي يدرب زوجته لاعبة التنس  روسانا دي لو ريوس.

neffa-02

كلما اسمع عبارات مثل، موهبة قادمة و بقوة، أو بإمكانه التطور أو البوادر جيدة، اوانتداب كبير او موهبة قد تنفجر، ابتسم لأنها نفس العبارات التي يتم ترديدها امام كل إنتداب من قبل الصحف أو الجمهور علماً ان إحصائياً من عام 1978 إلى يومنا هذا إنتداب واحد فقط من اصل ثمانية يعتبر ناجح و لذا و نحن الان على بعد ساعات من إنطلاق سوق الانتدابات استعد لسماعها من جديد و من يدري ماذا سأكتب عن هذه الانتدابات بعد عشرة سنوات من الان و هل سيتذكر الجمهور ثلثها على الاقل؟

بقلم: محمد بشير ابوكبدة